HeatoN
01-20-2008, 10:46 AM
قضيتها تثير أوضاع عشرات المواقع المهملة ... مدينة البصيرة الأثرية في سورية تختفي تحت مبانٍ حكومية ومنشآت حديثة
http://www.daralhayat.com/special/features/01-2008/Item-20080119-92fe3903-c0a8-10ed-01ae-81ab77951b62/Money_15.jpg_200_-1.jpg
عملات قديمة عثر عليها في البصيرة عام 1903
عبر الرحالة وعالم الآثار الألماني ارنست هرزفيلد من منطقة تشكل رأس المثلث عند التقاء نهر الفرات برافده الخابور. توقف عند قرية صغيرة شرق سورية تدعى «البصيرة»، وشاهد فيها قلعة عسكرية مربعة الشكل مشيدة بالآجر لها أبراج في زواياها.
اليوم إذا حاولت القيام برحلة مشابهة إلى المكان نفسه، فلن تقع عينك على ما شاهده «هرزفيلد» ولن تجد القلعة التي تحدث عنها في كتابه «رحلة أثرية إلى الفرات ودجلة».
شواهد أثرية... فقط في الذاكرة والكتب
هاشم المحمد رجل ستيني من أهالي البصيرة التي تتبع إدارياً إلى محافظة دير الزور (تبعد 450 كيلومتراً من دمشق). يتذكر شكل قريته أثناء طفولته. يقول: «كان في بلدتنا منذ عقود مضت سور وأبراج، أتذكرها جيداً، وكان هناك قبة تحيط بها الأقواس»، يضيف: «وثمة أنفاق تحت القبة، كنا ندخلها ونحن صغار أثناء اللعب، إلا أنها كانت مظلمة وعميقة فلم يجرؤ أحد على اكتشاف إلى أين تؤدي...!».
يبدو هذا الوصف مشابهاً لمعلومات أوردها هرزفيلد في كتابه الصادر في برلين عام 1911 حيث يذكر أن «قرية البصيرة وهي الاسم الحديث لبلدة «كركسيوم» تقع على الفرات جنوب التل الأثري، وأطلال المدينة تدل على تعاقب مدرجات سكنية قديمة».
ويتابع «لا تزال بعض الأبنية الأثرية قائمة في الموقع، لا سيما المعسكر الذي تقدر أبعاده بـ40 إلى 50 متراً وله سور وأبراج وجدران مشيدة بالحجارة والقرميد الشبيه بالقرميد البيزنطي، ويتناثر في المكان كثير من الفخار الإسلامي، ومدخل المعسكر الرئيسي يمر عبر برج يقع على الطرف الشرقي، في داخله غرف مثمنة الأضلاع، ويدل اختلاف البناء في الموقع وعدم تجانسه على أنه بني في عصور مختلفة ورمم مرات عدة».
جهل وإهمال
«إنه لأمر مؤلم أن تؤدي أعمال البناء العشوائي، من قبل الأهالي والسلطات إلى فقدان أوابد أثرية تحكي تاريخ حضارات عدة مضت» هذا ما قاله وضاح (38 سنة)، مدرس من أبناء البصيرة وهو يتأمل المكان الذي استبدل فيه سور أثري بشارع اصطفت على جانبيه الدكاكين.
ويضيف «ما حل بآثار البصيرة يثير البكاء».
ويرى وضاح أن «جهل السكان بالأهمية الحضارية لبلدتهم، وإهمال السلطات المعنية لها، أمران أديا إلى هدم ما تبقى من معالم أثرية «ولم يبق منها إلا أجزاء مطمورة تحت منازل الأهالي أو الأبنية الحكومية».
التاريخ يتحدث
أطلق على المنطقة أسماء مختلفة وفق العصور: «كركزيون» بالآرامية و «كركسيوم» «من كركيس وتعني حلبة الخيل و «كاسترون» باليونانية وتعني قلعة .Circesium باللاتينية و «قرقيسيا» أو «قرقيسياء» بالعربية، واليوم «البصيرة» التي يزيد عدد سكانها عن 20 ألف نسمة، ويعمل معظمهم بالزراعة، ويتناقلون عن أسلافهم أن بلدتهم تقوم فوق تل أثري تعاقبت عليه الحضارات.
وتشير المصادر التاريخية، ومنها كتاب الجزيرة السورية للباحث اسكندر داود، أن أصل موقع «كركسيوم» يرجع إلى العصر البابلي. ووفق ما نشره هرزفيلد عن البصيرة يعود بناء السور والأبراج فيها إلى عصر الإمبراطور ديولسيان (284-305 م)، الذي شيد الحصن كمعقل متقدم ضد هجمات الجيوش الفارسية، وأن الإمبراطور جوستنيان (52-565 م) أمر خلال حكمه بزيادة حامية الموقع العسكرية من ستة آلاف إلى عشرة آلاف كما ذكر بروكوب احد مؤلفي الروم (Procope) انه وفي زمن حاكمها الروماني «ماريكييوس» قام الملك «هرمز» الرابع (579-589 م) بغزو الموقع واحتل بعدها حصن كركسيوم. وتوضح كتب التاريخ، ومنها معجم البلدان لياقوت الحموي، أن «قرقيسيا» كانت مدينة عامرة تحمّل منها الفاكهة إلى البلاد الأخرى، وأن الصراع استمر بين الفرس والروم على هذه المنطقة حتى مجيء الإسلام إليها في سنة 16 للهجرة.
«قلعة البصيرة»... في آخر مرة
في أيار (مايو) 1954، سمحت المديرية العامة لآثار سورية لأهالي البصيرة بنقل كميات من التربة المحيطة بقلعة بلدتهم بغرض الاستفادة منها في أعمال البناء. وجعلت المديرية موافقتها مشروطة بالحفاظ على آثار القلعة وصيانتها.
لكن في أواخر ذلك العام في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) أرسل عبدالله العلي أحد أهالي البصيرة برقية إلى مديرية الآثار في حينها كتب فيها «نخبركم... قلعة البصيرة هدمت، أنقذوها». وبحسب سجلات المراسلات الرسمية بين المديرية ومحافظة دير الزور لم يتخذ أي إجراء يمنع وقوع ما حذرت به برقية عبدالله، بل كانت تلك آخر مرة ترد فيها عبارة «قلعة البصيرة» في مراسلات الجهات الرسمية المعنية.
فالأمر لم يتوقف عند نقل التراب المحيط بالقلعة، ما أدى إلى تصدعها، وإنما استخدمت حجارة سورها الأثري لبناء بيوت البلدة، ومن المرجح أن هذا الفعل استمر لسنوات عدة ما أفقد البصيرة قلعتها.
http://www.daralhayat.com/special/features/01-2008/Item-20080119-92fe3903-c0a8-10ed-01ae-81ab77951b62/Letter_15.jpg_440_-1.jpg
رسالة طلب موقّعها من مديرية الآثار انقاذ قلعة البصيرة
يقول حسين الزعلان من أهالي البلدة أنه «تم الاعتداء على آثار البصيرة من قبل المواطنين أنفسهم». ويشير بيده وهو يقف عند ساحة تتوسط البلدة، إلى حجارة يميل لونها إلى الأحمر، بني منها كثير من منازل البلدة، قائلاً: «هذه حجارة أثرية، انتزعت من السور الأثري والأبراج التي كانت في هذا التل».
كثيرون من أهالي البلدة يؤكدون هذه المعلومات. ويقول فاروق الموسى: «نقلت كميات من حجارة الآثار إلى مختلف أجزاء البلدة، وبيعت بأسعار زهيدة، لتبنى منها معظم المنازل هنا». ياسر شوحان رئيس دائرة الآثار والمتاحف في دير الزور يشير الى أهمية موقع تل «قرقيسيا» من الناحية الأثرية. ويقول: «من المؤكد أن موقع تل قرقيسيا لا يقل أهمية عن بقية المواقع الأثرية. لكن ربما لم يحظ بعد بفرصة تكشف أهميته».
ويؤكد شوحان وجود الكثير من التعديات على موقع تل قرقيسيا، «سواء بأعمال البناء أو الزراعة العشوائية أو شق قنوات المياه وشبكات الكهرباء غير المدروسة، أو دفن الموتى على سطوح التلال الأثرية، وحتى التنقيب السري وأعمال اللصوصية....».
سبر أثري وحيد... ونتائج تحذيرية
لم يجر في «تل قرقيسيا» الأثري سوى سبر واحد لآثاره عام 1977 من طريق الباحث أسعد المحمود والذي كان آنذاك رئيساً لدائرة آثار دير الزور.
وتوضح نتائج تقرير ذلك السبر أنه تم العثور على لقى أثرية من بينها «أجزاء من أرضية غرف مرصوفة» على رغم أن مدة البحث لم تتجاوز تسعة أيام، واقتصرت على دراسة مربعين من أرض التل طول ضلع الواحد منهما أربعة أمتار.
أوصى التقرير بضرورة متابعة السبر «لملاحقة المنشآت المعمارية للوقوف على أبعادها ونمط بنائها».
ويوضح «المحمود» أنه طالب برصد اعتماد يتناسب وأهمية هذه المنطقة، ويقول: «طلبنا تشكيل بعثة أثرية وطنية لمتابعة التنقيب لكن لم يلق طلبنا آذاناً صاغية».
مخفر للشرطة وشعبة للحزب فوق الآثار
عام 1984 نشر عبدالصمد حيزة في مجلة «الحوليات الأثرية» بحثاً حمل عنوان «أضواء على تاريخ قرقيسيا القديم». استهله بعبارة: «هناك حقيقة أساسية في التاريخ أن: عدم اكتشافنا بعض المناطق الأثرية لا يعني إهمالها».
في العام نفسه أقر مجلس بلدية البصيرة عدم موافقته على إخراج المنطقة الأثرية المحددة كبلدة قديمة من مخطط عمل البلدية آنذاك، ما أسفر عن قيام مبانٍ حكومية فوق التل الأثري.
ويمكن تحديد تلك المباني بالعودة إلى سجلات البلدية ومقارنتها بمخططات دائرة الآثار فيتبين أن من هذه الأبنية: مديرية الناحية، ومخفر الشرطة، والمجمع التربوي، ومركز الهاتف، وشعبة حزب البعث، والنادي الرياضي، ورابطة الشبيبة، ومصلحة الزراعة، ووحدة السجاد اليدوي، ومركز العمران.
ولم يقتصر الأمر على ذلك. فقد منحت بلدية البصيرة في ذلك الوقت رخص بناء للمواطنين في المنطقة الأثرية لينتج من ذلك بلدة تقوم فوق تل أثري.
في المقابل ينص قانون الآثار في مادته العاشرة على أنه «لا يجوز للبلديات أن تمنح رخص البناء والترميم في الأماكن القريبة من المواقع الأثرية، والأبنية التاريخية إلا بعد الحصول على موافقة السلطات الأثرية».
ويؤكد نصر سفان (محامٍ متخصص في شؤون الآثار) أن: «التعدي من قبل الجهات الحكومية، ينطبق عليه تماماً قانون الآثار المطبق على الأشخاص العاديين، ويعاقب الفاعل عقوبة المواطن العادي نفسها».
http://www.daralhayat.com/special/features/01-2008/Item-20080119-92fe3903-c0a8-10ed-01ae-81ab77951b62/Castle_15.jpg_200_-1.jpg
زاوية من السور اعيد ترميمها
ويرى سفان أن «تشديد العقوبة على مرتكبي الجرائم وفق قانون الآثار يمكن أن يقلل من نسبة التعدي على الآثار منوهاً بالمادة 63 من قانون الآثار التي تنص على أنه «يعاقب بعقوبة الفاعل كل من يدخل في اختصاصهم القانوني حماية الآثار أو ضبط الجرائم الواردة في هذا القانون، إذا اطّلعوا أو أخبروا بوقوع إحدى هذه الجرائم ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لضبطها».
يؤكد مأمون عبدالكريم أستاذ في قسم الآثار في جامعة دمشق واختصاصي بالآثار الكلاسيكية من جامعة فرساي في فرنسا أن تل «قرقيسيا» ليس الموقع الأثري الوحيد في سورية الذي تعرض لظاهرة التعدي على الآثار التي تكثر في التلال الأثرية غير المنقبة.
وبحسب معلومات عن الجمهورية العربية السورية يوردها مجلس الشعب السوري في موقعه الإلكتروني فإن أكثر من 1000 موقع أثري في سورية ينتظر التنقيب.
ويقدر عبدالكريم «عدد المواقع الأثرية التي أزيلت بفعل عوامل طبيعية ولعدم وجود برامج تأهيل وترميم لها «بالعشرات».
بينما يتوقع عدد أكبر للمواقع الأثرية التي تعرضت أجزاء منها للتعدي فيقول: «هناك مئات من الأمثلة على ظهور قرى عشوائية وفق محيط القرى الأثرية» مشيراً إلى أن زحف المناطق السكنية باتجاه المواقع الأثرية يحدث عملية تعد على حرم هذه المواقع وأحياناً يعرضها للتدمير.
وفي سياق متصل يرجع يوسف الحمد مدير الشؤون القانونية والإدارية في المديرية العامة للآثار والمتاحف أسباب التأخر في رفع عدد الحراس، وبالتالي تطبيق القانون إلى «قلة إمكانات الدولة المادية». فقد رصدت هيئة تخطيط الدولة مبلغ 460 مليون ليرة سورية أي ما يعادل تسعة ملايين ومئتي ألف دولار أميركي تقريباً خلال العام 2007 كموازنة سنوية للمديرية العامة للآثار والمتاحف.
http://www.daralhayat.com/special/features/01-2008/Item-20080119-92fe3903-c0a8-10ed-01ae-81ab77951b62/Stone_15.jpg_200_-1.jpg
حجارة من القلعة استعملت في بناء منازل حديثة
بحثاً عن ذراع تنفيذي
بدوره يشير مدير المباني الأثرية والتوثيق غزوان ياغي إلى «ضرورة أن يكون للآثار شرطة خاصة بها، تشكل السلطات التنفيذية التابعة مباشرة لمديرية الآثار، للمساهمة في القمع الفوري للمخالفة». ويلفت الى أن المديرية العامة للآثار والمتاحف بوضعها الحالي تمثل سلطة وصاية لا تملك ذراعاً تنفيذية سوى وحدات إزالة المخالفات في المحافظات.
بعد صدور مرسوم جمهوري في شهر آب الماضي يحول «البصيرة» إدارياً من بلدة إلى مدينة، مساحة مخططها التنظيمي 810 هكتارات، لا تزال المشاكل تضغط في أكثر من اتجاه فيها.
ويبدو أن أولويات السكان تتجه نحو إنشاء مستشفى في المدينة، يقدم لهم الخدمات الصحية، فذلك أكثر أهمية بالنسبة اليهم من ضرورة الإسراع في التنقيب عن الآثار حولهم، الأمر الذي يعتبره بعض الأهالي نوعاً من الترف.!
* أعد هذا التحقيق بالتعاون مع شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية)
www.arij.net (http://www.arij.net)
دير الزور (سورية) – لينا الجودي- صحيفة الحياة اللندنية
http://www.daralhayat.com/special/features/01-2008/Item-20080119-92fe3903-c0a8-10ed-01ae-81ab77951b62/Money_15.jpg_200_-1.jpg
عملات قديمة عثر عليها في البصيرة عام 1903
عبر الرحالة وعالم الآثار الألماني ارنست هرزفيلد من منطقة تشكل رأس المثلث عند التقاء نهر الفرات برافده الخابور. توقف عند قرية صغيرة شرق سورية تدعى «البصيرة»، وشاهد فيها قلعة عسكرية مربعة الشكل مشيدة بالآجر لها أبراج في زواياها.
اليوم إذا حاولت القيام برحلة مشابهة إلى المكان نفسه، فلن تقع عينك على ما شاهده «هرزفيلد» ولن تجد القلعة التي تحدث عنها في كتابه «رحلة أثرية إلى الفرات ودجلة».
شواهد أثرية... فقط في الذاكرة والكتب
هاشم المحمد رجل ستيني من أهالي البصيرة التي تتبع إدارياً إلى محافظة دير الزور (تبعد 450 كيلومتراً من دمشق). يتذكر شكل قريته أثناء طفولته. يقول: «كان في بلدتنا منذ عقود مضت سور وأبراج، أتذكرها جيداً، وكان هناك قبة تحيط بها الأقواس»، يضيف: «وثمة أنفاق تحت القبة، كنا ندخلها ونحن صغار أثناء اللعب، إلا أنها كانت مظلمة وعميقة فلم يجرؤ أحد على اكتشاف إلى أين تؤدي...!».
يبدو هذا الوصف مشابهاً لمعلومات أوردها هرزفيلد في كتابه الصادر في برلين عام 1911 حيث يذكر أن «قرية البصيرة وهي الاسم الحديث لبلدة «كركسيوم» تقع على الفرات جنوب التل الأثري، وأطلال المدينة تدل على تعاقب مدرجات سكنية قديمة».
ويتابع «لا تزال بعض الأبنية الأثرية قائمة في الموقع، لا سيما المعسكر الذي تقدر أبعاده بـ40 إلى 50 متراً وله سور وأبراج وجدران مشيدة بالحجارة والقرميد الشبيه بالقرميد البيزنطي، ويتناثر في المكان كثير من الفخار الإسلامي، ومدخل المعسكر الرئيسي يمر عبر برج يقع على الطرف الشرقي، في داخله غرف مثمنة الأضلاع، ويدل اختلاف البناء في الموقع وعدم تجانسه على أنه بني في عصور مختلفة ورمم مرات عدة».
جهل وإهمال
«إنه لأمر مؤلم أن تؤدي أعمال البناء العشوائي، من قبل الأهالي والسلطات إلى فقدان أوابد أثرية تحكي تاريخ حضارات عدة مضت» هذا ما قاله وضاح (38 سنة)، مدرس من أبناء البصيرة وهو يتأمل المكان الذي استبدل فيه سور أثري بشارع اصطفت على جانبيه الدكاكين.
ويضيف «ما حل بآثار البصيرة يثير البكاء».
ويرى وضاح أن «جهل السكان بالأهمية الحضارية لبلدتهم، وإهمال السلطات المعنية لها، أمران أديا إلى هدم ما تبقى من معالم أثرية «ولم يبق منها إلا أجزاء مطمورة تحت منازل الأهالي أو الأبنية الحكومية».
التاريخ يتحدث
أطلق على المنطقة أسماء مختلفة وفق العصور: «كركزيون» بالآرامية و «كركسيوم» «من كركيس وتعني حلبة الخيل و «كاسترون» باليونانية وتعني قلعة .Circesium باللاتينية و «قرقيسيا» أو «قرقيسياء» بالعربية، واليوم «البصيرة» التي يزيد عدد سكانها عن 20 ألف نسمة، ويعمل معظمهم بالزراعة، ويتناقلون عن أسلافهم أن بلدتهم تقوم فوق تل أثري تعاقبت عليه الحضارات.
وتشير المصادر التاريخية، ومنها كتاب الجزيرة السورية للباحث اسكندر داود، أن أصل موقع «كركسيوم» يرجع إلى العصر البابلي. ووفق ما نشره هرزفيلد عن البصيرة يعود بناء السور والأبراج فيها إلى عصر الإمبراطور ديولسيان (284-305 م)، الذي شيد الحصن كمعقل متقدم ضد هجمات الجيوش الفارسية، وأن الإمبراطور جوستنيان (52-565 م) أمر خلال حكمه بزيادة حامية الموقع العسكرية من ستة آلاف إلى عشرة آلاف كما ذكر بروكوب احد مؤلفي الروم (Procope) انه وفي زمن حاكمها الروماني «ماريكييوس» قام الملك «هرمز» الرابع (579-589 م) بغزو الموقع واحتل بعدها حصن كركسيوم. وتوضح كتب التاريخ، ومنها معجم البلدان لياقوت الحموي، أن «قرقيسيا» كانت مدينة عامرة تحمّل منها الفاكهة إلى البلاد الأخرى، وأن الصراع استمر بين الفرس والروم على هذه المنطقة حتى مجيء الإسلام إليها في سنة 16 للهجرة.
«قلعة البصيرة»... في آخر مرة
في أيار (مايو) 1954، سمحت المديرية العامة لآثار سورية لأهالي البصيرة بنقل كميات من التربة المحيطة بقلعة بلدتهم بغرض الاستفادة منها في أعمال البناء. وجعلت المديرية موافقتها مشروطة بالحفاظ على آثار القلعة وصيانتها.
لكن في أواخر ذلك العام في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) أرسل عبدالله العلي أحد أهالي البصيرة برقية إلى مديرية الآثار في حينها كتب فيها «نخبركم... قلعة البصيرة هدمت، أنقذوها». وبحسب سجلات المراسلات الرسمية بين المديرية ومحافظة دير الزور لم يتخذ أي إجراء يمنع وقوع ما حذرت به برقية عبدالله، بل كانت تلك آخر مرة ترد فيها عبارة «قلعة البصيرة» في مراسلات الجهات الرسمية المعنية.
فالأمر لم يتوقف عند نقل التراب المحيط بالقلعة، ما أدى إلى تصدعها، وإنما استخدمت حجارة سورها الأثري لبناء بيوت البلدة، ومن المرجح أن هذا الفعل استمر لسنوات عدة ما أفقد البصيرة قلعتها.
http://www.daralhayat.com/special/features/01-2008/Item-20080119-92fe3903-c0a8-10ed-01ae-81ab77951b62/Letter_15.jpg_440_-1.jpg
رسالة طلب موقّعها من مديرية الآثار انقاذ قلعة البصيرة
يقول حسين الزعلان من أهالي البلدة أنه «تم الاعتداء على آثار البصيرة من قبل المواطنين أنفسهم». ويشير بيده وهو يقف عند ساحة تتوسط البلدة، إلى حجارة يميل لونها إلى الأحمر، بني منها كثير من منازل البلدة، قائلاً: «هذه حجارة أثرية، انتزعت من السور الأثري والأبراج التي كانت في هذا التل».
كثيرون من أهالي البلدة يؤكدون هذه المعلومات. ويقول فاروق الموسى: «نقلت كميات من حجارة الآثار إلى مختلف أجزاء البلدة، وبيعت بأسعار زهيدة، لتبنى منها معظم المنازل هنا». ياسر شوحان رئيس دائرة الآثار والمتاحف في دير الزور يشير الى أهمية موقع تل «قرقيسيا» من الناحية الأثرية. ويقول: «من المؤكد أن موقع تل قرقيسيا لا يقل أهمية عن بقية المواقع الأثرية. لكن ربما لم يحظ بعد بفرصة تكشف أهميته».
ويؤكد شوحان وجود الكثير من التعديات على موقع تل قرقيسيا، «سواء بأعمال البناء أو الزراعة العشوائية أو شق قنوات المياه وشبكات الكهرباء غير المدروسة، أو دفن الموتى على سطوح التلال الأثرية، وحتى التنقيب السري وأعمال اللصوصية....».
سبر أثري وحيد... ونتائج تحذيرية
لم يجر في «تل قرقيسيا» الأثري سوى سبر واحد لآثاره عام 1977 من طريق الباحث أسعد المحمود والذي كان آنذاك رئيساً لدائرة آثار دير الزور.
وتوضح نتائج تقرير ذلك السبر أنه تم العثور على لقى أثرية من بينها «أجزاء من أرضية غرف مرصوفة» على رغم أن مدة البحث لم تتجاوز تسعة أيام، واقتصرت على دراسة مربعين من أرض التل طول ضلع الواحد منهما أربعة أمتار.
أوصى التقرير بضرورة متابعة السبر «لملاحقة المنشآت المعمارية للوقوف على أبعادها ونمط بنائها».
ويوضح «المحمود» أنه طالب برصد اعتماد يتناسب وأهمية هذه المنطقة، ويقول: «طلبنا تشكيل بعثة أثرية وطنية لمتابعة التنقيب لكن لم يلق طلبنا آذاناً صاغية».
مخفر للشرطة وشعبة للحزب فوق الآثار
عام 1984 نشر عبدالصمد حيزة في مجلة «الحوليات الأثرية» بحثاً حمل عنوان «أضواء على تاريخ قرقيسيا القديم». استهله بعبارة: «هناك حقيقة أساسية في التاريخ أن: عدم اكتشافنا بعض المناطق الأثرية لا يعني إهمالها».
في العام نفسه أقر مجلس بلدية البصيرة عدم موافقته على إخراج المنطقة الأثرية المحددة كبلدة قديمة من مخطط عمل البلدية آنذاك، ما أسفر عن قيام مبانٍ حكومية فوق التل الأثري.
ويمكن تحديد تلك المباني بالعودة إلى سجلات البلدية ومقارنتها بمخططات دائرة الآثار فيتبين أن من هذه الأبنية: مديرية الناحية، ومخفر الشرطة، والمجمع التربوي، ومركز الهاتف، وشعبة حزب البعث، والنادي الرياضي، ورابطة الشبيبة، ومصلحة الزراعة، ووحدة السجاد اليدوي، ومركز العمران.
ولم يقتصر الأمر على ذلك. فقد منحت بلدية البصيرة في ذلك الوقت رخص بناء للمواطنين في المنطقة الأثرية لينتج من ذلك بلدة تقوم فوق تل أثري.
في المقابل ينص قانون الآثار في مادته العاشرة على أنه «لا يجوز للبلديات أن تمنح رخص البناء والترميم في الأماكن القريبة من المواقع الأثرية، والأبنية التاريخية إلا بعد الحصول على موافقة السلطات الأثرية».
ويؤكد نصر سفان (محامٍ متخصص في شؤون الآثار) أن: «التعدي من قبل الجهات الحكومية، ينطبق عليه تماماً قانون الآثار المطبق على الأشخاص العاديين، ويعاقب الفاعل عقوبة المواطن العادي نفسها».
http://www.daralhayat.com/special/features/01-2008/Item-20080119-92fe3903-c0a8-10ed-01ae-81ab77951b62/Castle_15.jpg_200_-1.jpg
زاوية من السور اعيد ترميمها
ويرى سفان أن «تشديد العقوبة على مرتكبي الجرائم وفق قانون الآثار يمكن أن يقلل من نسبة التعدي على الآثار منوهاً بالمادة 63 من قانون الآثار التي تنص على أنه «يعاقب بعقوبة الفاعل كل من يدخل في اختصاصهم القانوني حماية الآثار أو ضبط الجرائم الواردة في هذا القانون، إذا اطّلعوا أو أخبروا بوقوع إحدى هذه الجرائم ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لضبطها».
يؤكد مأمون عبدالكريم أستاذ في قسم الآثار في جامعة دمشق واختصاصي بالآثار الكلاسيكية من جامعة فرساي في فرنسا أن تل «قرقيسيا» ليس الموقع الأثري الوحيد في سورية الذي تعرض لظاهرة التعدي على الآثار التي تكثر في التلال الأثرية غير المنقبة.
وبحسب معلومات عن الجمهورية العربية السورية يوردها مجلس الشعب السوري في موقعه الإلكتروني فإن أكثر من 1000 موقع أثري في سورية ينتظر التنقيب.
ويقدر عبدالكريم «عدد المواقع الأثرية التي أزيلت بفعل عوامل طبيعية ولعدم وجود برامج تأهيل وترميم لها «بالعشرات».
بينما يتوقع عدد أكبر للمواقع الأثرية التي تعرضت أجزاء منها للتعدي فيقول: «هناك مئات من الأمثلة على ظهور قرى عشوائية وفق محيط القرى الأثرية» مشيراً إلى أن زحف المناطق السكنية باتجاه المواقع الأثرية يحدث عملية تعد على حرم هذه المواقع وأحياناً يعرضها للتدمير.
وفي سياق متصل يرجع يوسف الحمد مدير الشؤون القانونية والإدارية في المديرية العامة للآثار والمتاحف أسباب التأخر في رفع عدد الحراس، وبالتالي تطبيق القانون إلى «قلة إمكانات الدولة المادية». فقد رصدت هيئة تخطيط الدولة مبلغ 460 مليون ليرة سورية أي ما يعادل تسعة ملايين ومئتي ألف دولار أميركي تقريباً خلال العام 2007 كموازنة سنوية للمديرية العامة للآثار والمتاحف.
http://www.daralhayat.com/special/features/01-2008/Item-20080119-92fe3903-c0a8-10ed-01ae-81ab77951b62/Stone_15.jpg_200_-1.jpg
حجارة من القلعة استعملت في بناء منازل حديثة
بحثاً عن ذراع تنفيذي
بدوره يشير مدير المباني الأثرية والتوثيق غزوان ياغي إلى «ضرورة أن يكون للآثار شرطة خاصة بها، تشكل السلطات التنفيذية التابعة مباشرة لمديرية الآثار، للمساهمة في القمع الفوري للمخالفة». ويلفت الى أن المديرية العامة للآثار والمتاحف بوضعها الحالي تمثل سلطة وصاية لا تملك ذراعاً تنفيذية سوى وحدات إزالة المخالفات في المحافظات.
بعد صدور مرسوم جمهوري في شهر آب الماضي يحول «البصيرة» إدارياً من بلدة إلى مدينة، مساحة مخططها التنظيمي 810 هكتارات، لا تزال المشاكل تضغط في أكثر من اتجاه فيها.
ويبدو أن أولويات السكان تتجه نحو إنشاء مستشفى في المدينة، يقدم لهم الخدمات الصحية، فذلك أكثر أهمية بالنسبة اليهم من ضرورة الإسراع في التنقيب عن الآثار حولهم، الأمر الذي يعتبره بعض الأهالي نوعاً من الترف.!
* أعد هذا التحقيق بالتعاون مع شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية)
www.arij.net (http://www.arij.net)
دير الزور (سورية) – لينا الجودي- صحيفة الحياة اللندنية