المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فيروز ...التجربة


فراس أسعد
02-03-2008, 07:28 AM
فيروز... التجربة

كثيرة هي الأسئلة التي تطرح عندما تطرق فيروز باب مخيلتك، أهم هذه الأسئلة:
ما هو سر فيروز؟ ما هو سر صوت فيروز؟ ما سر عظمة فيروز؟

- أما إذا أردت الحديث عن فيروز، فمن الظلم لفيروز أن تقول فيروز فقط. ففيروز هي كل من عمل مع فيروز، هي التجربة الكلية لهذا النجاح الجماعي في تقديم لؤلؤة التاج "فيروز".

وفي عبورك لكل المحطات والمفارق والمنعطفات والطرق ستصل إلى محطة النجاح الأخيرة وهي المتلقي المستمع الذي يشكل جزءا هاما وأساسيا لهذه التجربة الفنية. فالذوق الفني الجمعي كان له دوره الهام في نجاح هذه التجربة الفنية الراقية التي حاكت واقع وثقافة الفرد والمجتمع.

عندما تقول فيروز، فأنت حتما تقصد أن تقول أيضا: الأخوين رحباني، وفيلمون وهبي، وزكي ناصيف، وزياد الرحباني، وآخرين كثر لحنوا وقدموا أعمالا خالدة بصوت فريد لا يتكرر في فترة زمنية قصيرة.

من هنا نجد أن سر فيروز يكمن في نفس فني راق حمل هذا الصوت الفريد العذب نحو قمة من العطاء المبدع. هذا النفس كان نفسا طويلا لم يتعب أصحابه من حمل أعبائه وتحمل مصاعبه عبر عقود من السنين امتدت من خمسينيات القرن العشرين وحتى الآن.

إذا: هذه هي المدرسة الفيروزية العظيمة التي تعددت صفوفها، من الرحابنة وحتى محمد عبد الوهاب نفسه، الذي قدم لفيروز ألحانا لا تنسى. وكثيرون هم الملحنون والفنانون الذين تاقوا ليكون لهم صف في هذه المدرسة، دون أن يحالفهم الحظ.

- أما الحديث عن سر صوت فيروز، فانه يأخذك إلى عوالم أخرى، عوالم عذرية لم تطأها قدم من قبل، ولم تسمع أصوات عصافيرها أذن، ولم ترها عين.

صوت فيروز ليس صوتا غنائيا عاديا. انه صوت الراحة الوحيد وسط شقائنا، هو العزاء والسلوى وحب الشجن وسط هذا العالم الذي لا يكف عن الحروب، بسبب أو بدونه. انه الصوت الذي رافقنا منذ براءة الطفولة وحتى قسوة النضج. هو الصوت الذي غنى أفراحنا وبكى لمدنيتنا الضائعة وأرواحنا المنكسرة. هو الصوت الذي بقي حارا متدفقا عذبا ساميا شاديا وسط عالم الفوضى والعشوائية. قال محمد سلمان في إحدى المرات في معرض حديثه عن فيروز: " اللي بيجي بيجي وفيه تاج عاراسو". والحقيقة أن فيروز أتت وعلى رأسها تاج، وكان ذلك التاج هو صوتها العذب الرقيق الملهم لقرائح الملحنين والكتاب.

هذه هي القيمة الحقيقية والسر في صوت فيروز، هذا الصوت الذي علا بنا حتى تخيلنا أنه يمكننا ملامسة النجوم. فالشاعر الكبير سعيد عقل أطلق عليها لقب " سفيرتنا إلى النجوم". لكنني أعارضه فأقول، أن فيروز هي سفيرة النجوم إلينا.

يا عزيزي، انه سحر الغناء، سحر الصوت الذي لم تقدر عليه ساحرة أخرى مثل فيروز.

وإذا ما دخلنا الناحية العملية، فان مصدر الصوت في كل ألوان الغناء هي الحنجرة. فعند خروج الصوت من الحنجرة تتحكم به وتتداخل عدة عوامل في تحديد نوعية رنينه النهائي. تتحدد هذه العناصر –إلى جانب قدرة المغني- في استخدام طاقة النفس والتحكم في استخدام تجاويف الجسد الطبيعية التي يتردد فيها الصوت الخارج من الحنجرة ( الصدر، الرقبة، سقف الحلق، الجيوب الأنفية، الفم وتجاويفه).

وبالعودة هنا إلى صوت فيروز، فمن المؤكد أن موهبتها في حسن استخدام هذه الأدوات كانت تتصاعد بالمران والتدريب، فقد كانت تحسن استخدام هذه التجاويف وفقا لمتطلبات اللحن وتنوع درجات الجمل اللحنية من خفيضة إلى متوسطة إلى عالية..

- وإذا أردنا الإجابة على السؤال الأخير: ما سر عظمة فيروز؟ فان الإجابة ستأتيك على عدة محاور:

في البداية ستجد أن لا شيء في الشرق العربي كصوت فيروز القمري الشفاف كالماء والضوء الخافت البعيد، ولا شيء كتلك الكلمات والألحان التي خرجت من الحضارة الريفية، كطلوع الأحلام السعيدة والحزينة من مخيلة جعلت من تلك الحضارة متحفا للحنين إليها، وعزاء حيال زوالها واندثارها. فمعظم الأعمال التي قدمت بصوت فيروز هي أرشيف حي بالصوت والصورة الشعرية، وبالأدوار والشخصيات المسرحية والغنائية لحضارة الريف السعيد الهادئ البريء.

وسنجد في مقلب آخر أن العظمة الفيروزية تأخذ مسارا آخر من خلال التجديد الرحباني في موسيقانا العربية، تجديد في التراث، فلم تغب العتابا والميجنا والزجل والمعنى، لكنه قدم بذائقة شعرية مصقولة وبلحن متجدد غني، فصار إيقونة حية نابضة بصورها التي تخاطب الحواس.

لقد كان للمستمع المتلقي لأعمال فيروز ولصوتها، الدور البارز والعظيم في إضفاء تلك الهالة من العظمة والبهاء حول فيروز والفن الراقي، فقد كان للذوق الجماعي في تقبل وحمل هذه التجربة الراقية الدور الكبير في نجاحها وتقدمها واستمرارها.

ان هذا الكلام يقودنا إلى الحديث عن حالنا في هذه الأيام، فنسأل: هل جمهورنا الآن بخير؟ بالطبع لا. ويعود السبب في ذلك إلى أننا نتلقى الثقافة الفنية ولا نصنعها، فنصبح منفعلين لا فاعلين. فالجمهور الفاعل هو الجمهور القادر على التمييز بين الجيد والرديء. هذا الجمهور قليل في أيامنا هذه، للأسف، ولا أريد الاستطراد أكثر من ذلك..

بالعودة إلى فيروز، فان خطها الفني ، الذي ابتعد عن كل ما هو شخصي، ورفض الدخول في معمعات السياسة، وجعل نفسه فقط في خدمة قضية الوطن والإنسان والفن، جعل التجربة الفيروزية تقدم أشواطا على غيرها. ففيروز لم تغن إلا للوطن والأرض والإنسان والحب والحياة. لذلك لا بد لي من القول، أن فيروز هي تجربة فنية راقية لا يمكن اختصارها بموقف يمكن أن يتغير من يوم إلى آخر أو من ساعة إلى أخرى. أريد أن أقول يا عزيزي: هناك رئيس سابق ووزير سابق ونائب سابق ومدير سابق وموظف سابق، لكن ليس هناك فنان سابق!

أن كل هذا قدم لنا فيروز الصورة الحلم التي رافقت مسيرتها الفنية، حتى بعد غياب عاصي الرحباني، حيث رسخت هذه الصورة في قلوب الناس ولا تزال.

وأخيرا، لا يمكن القول إنني قدمت كل شيء بما كتبت عن فيروز، فهناك الكثير من الأفكار والخواطر والشعر. فلا يمكن أن يقدم المرء كل شيء عن تجربة عملاقة بمقالة صغيرة كهذه. لكني ربما قدمت شيئا آخر في مرة قادمة، يكون أكثر دقة وخصوصية في الجانب الموسيقي البحت.

وفي النهاية، لا يسعني إلا أن أقول:
" فيروز... وعلى الأرض السلام "

فراس أسعد
31/1/2008