المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا يحبُّ الشباب السوري زياد الرحباني ؟


Somar Al-Dali
07-06-2009, 10:07 AM
لا يمثِّل زياد الرحباني، نفسه، ولا موسيقاه، ولا مواقفه فحسب؛ إنه يمثل مرحلة مهمةً على صعيد النهوض والتطلع على المستوى الثقافي، ومن ثمَّ يمثِّل انكسار تلك المرحلة وتشظّيها. وهذا التوصيف -إن صحَّ- فهو، يستمدُّ صحته، من كون الرحباني، يظهر على أنه التمثيل الفني والثقافي الناقد بقسوة لما ترتب على تلك المرحلة من وضع اجتماعي وإنساني في بلده، والذي يتماثل بشكل كبير مع الوضع الاجتماعي في الدول العربية. وتتكرَّس الأهمية في محاولة الرحباني نقد الحقبة الماضية ونتائجها في الحياة اليومية للناس، دون أن يكون المنطلق: لننتقد أو لنصحّح. فهو نذر طوعي للحياة، بكل ما يقوم بتقديمه.
.

هكذا تصير السخرية المُرَّة، التي يمارسها الرحباني، عنواناً للتمرُّد الذي ينشده جيل بأكمله، جيل يعيش إحباطات متنوعة على المستويات كافة. فالماركسي العتيد هو عنوان للثبات على المواقف في زمن تحوَّل فيه الكثيرون وغيَّروا مواقعهم من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. وهذا الثبات ليس شعاراتياً كما تعيشه الكثير من شخصيات اليسار العربي، بل ثبات مستمرٌّ بالسلوك. فهو يستمرُّ، على خلاف الكثير من المثقفين العرب، بانتمائه إلى حزب شيوعي!، من خلال الإسهام في إعادة هيكلة هذا الحزب الذي يمثّل أحد أقدم الأحزاب الشيوعية العربية. هذا الثبات في المواقع هو مطلب أساسي لجيل لا يتوانى أحدٌ عن وصفه بالصياعة والمياعة وتقلّب الأهواء وغيرها، وهو الجيل الذي يجد ضالته في نموذج زياد الرحباني، الذي لا يتوانى عن قول أيِّ شيء ومن على أيِّ منبر، وبالحدة والقساوة التي تصل حدَّ التجريح والشتيمة أيضاً. وهو ما لا يستطيع الشباب فعله..
الرحباني، الذي زار دمشق أثناء فعاليات احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية، يعود مجدداً إلى دمشق، وهو يعرف تماماً أنه قادم إلى جمهور أحبَّه. وفيما سيعتبر الرحباني أنَّ هذا الجمهور أحبَّه لأسباب عديدة أياً كانت، إلا أنَّ هناك أسباباً أخرى ليحبَّ الشباب السوري زياد الرحباني.
يمثِّل زياد الرحباني عنواناً للرفض. وهو بنموذجه الحياتي يعدُّ إحدى الشخصيات التي تقارب في مفعولها ذلك المفعول السحري لـ(زوربا)، الذي يعيش في الذاكرة الثقافية العربية، كنموذج في مقارعة الحياة والإجهاز عليها ومباغتتها. هكذا يجد الشباب في زياد الرحباني زوربا الذي لم يكونوه: حكمة في السخرية، ومطلبية مستمرة للعدالة الاجتماعية، وموسيقا وحياة صاخبة مليئة بالمفاجآت. وحبُّ الشباب السوري لزياد الرحباني هو، بشكل من الأشكال، مظهر من مظاهر اليسارية الغائبة أو بقاياها التي تعيش في الشارع السوري، والتي تتمظهر بحفظ أغنياته وترديدها في المناسبات، أو على الأقل الإعجاب الحتمي بسليل أحد أعرق العائلات الفنية في العالم العربي. ثمَّة ألقٌ يضفيه السوريون على شخصية زياد الرحباني يصل حدَّ جعله أيقونة- وهو ما يرفضه الرحباني أو يقف ضدَّه في السياسي والثقافي والإنساني. وإضافة إلى الدهاء الكبير والحنكة في صياغة مادة لحنية تعتمد البساطة والإدهاش وكسر الرّتم والسكونية في التعبير عن المشاعر الإنسانية.. هكذا صار للرحباني قدرة في التأثير الجمالي لم تضاهيها تجارب أخرى بتاتاً. فظاهرة الشيخ إمام مثلاً لم تعمم بعد غيابه؛ نظراً لانحصارها في شأن أيديولوجي معين، في حين تكون تجربة زياد أكثر قرباً واستمرارية لأنها تعمل في الوقت ذاته على أكثر من مستوى. وهذا ما جعل النموذج الفني الذي يعمل عليه مغرياً للكثير من الموسيقيين الشباب، الذين ما لبثوا يحاولون إعادة الاشتغال على التجربة أو تقديمها بأشكال لم تقارب الأصل حتى هذه اللحظة. أتقن زياد الرحباني- زوربا اللبناني فنَّ صناعة الضحكة على أفواه الناس، في الوقت الذي عمل فيه الكثيرون على تقديم البكائيات. وطالما كان الرحباني يصنع الابتسامة ويستلّها من الأعماق على صعيد الكلمة، وطالما كان قادراً على إيقاع المستمع في فخِّ النشوة على صعيد اللحن.. هو بذلك يحقّق معادلات صعبة عجز الكثيرون عن تحقيقها في الاقتراب من الناس بمختلف شرائحهم، مع الإعلاء من شأن الجمالي وجعله أساسياً وحاملا للمادة الفنية. وهو يجدِّد الأسئلة القديمة بإعادة طرحها مرة أخرى خارج السياق الجاف الذي كانت تطرح به. هكذا وجد السؤال: «ما العمل؟» طريقه مرة أخرى إلى الناس، بعدما كفروا قطعياً بهذا الطرح؛ وذلك بطروحات مختلفة ومبدأية، لا تتزحزح، وغير قادرة على التبدل. وبذلك يشكل زياد قطيعة مع فجاجة الأيديولوجيا. إنَّ في الطراز الفني الذي قدَّمه زياد الرحباني، ومازال، ما يصلحُ للدراسة السسيولوجية، من حيث هي تعبير عن الهامشي والمتروك من خلال الشخصي والذاتي المطلّ بعين ناقدة على اللحظة السياسية والثقافية، كما أنَّ فيه تلك القدرة على صناعة الأمل بعيداً عن جلسات التخدير التي مارسها بعض المثقفين العرب من خلال نتاجهم المتلون الذي عملوا عليه في فترة من الفترات.
يعود زياد الرحباني إلى دمشق ويقيم حفلات في المكان الذي أقام فيه حفلاته أول مرة. ففي قلعة دمشق سيكون الفتى المشاكس على تماس مع الجمهور السوري مرة أخرى. وهذا الجمهور يعرف تماماً مع من سيشتبك هناك.


دعت (مينا) لتنظيم الفعاليات، بالتعاون مع محافظة دمشق، لحضور الفنان زياد الرحباني في أربع حفلات حيّة يقدِّمها في قلعة دمشق أيام 15/16/17/18 تموز 2009. وقد اختارت مينا أن يكون بداية نشاطها لهذا العام هذه الفعالية؛ تلبيةً لرغبة جمهور عريض في تكريس زيارة زياد الرحباني إلى دمشق زيارةً سنوية يلتقي فيها باستمرار مع جمهور متعطش لموسيقاه وأغانيه وتعليقاته الذكية، ولتؤكد على السوية العالية التي ستطبع نشاطاتها القادمة. تحمل الحفلات، التي يقدِّمها زياد الرحباني لهذا العام عنوان: (منيحة...!!)- موسيقا، وغناء، وكلام. وسيتضمن برنامج هذه الحفلات مجموعة من أهم أعماله وأحدثها، منها ما يقدَّم للمرة الأولى في حفل حيّ، إضافة إلى (الاسكتشات) أي النصوص والتعليقات التي ستقدّم بين الفقرات الغنائية والموسيقية، والتي اشتهر بها زياد الرحباني وميّزت أسلوبه الفني غناءً وتلحيناً وتأليفاً

بلدنا اونلاين